جرح
الأسيرات
بقلم : إسلام ضيف الله .
بدأ الليل يلقي بظلاله علي مدينة غزة التي كانت مسرحا
لعمليات للجيش الإسرائيلي في الانتفاضة الأولي ،وبدأت الأرواح تتلاقي في
العنان ،وكل شيء في الوجود ينبض بالهدوء والسكينة ،إلا روح أتعبتها حرارة
التفكير في مصيرها المجهول ، فبدأت تحلق بعينها الزائغتين من وراء غطائها،
كأنها تنتظر حكم القدر ،حتي وقعت عيناها علي جسدين لشقيقتيها النائمتين علي
فراشهما الهانئ الدافئ ،أمست تتأملهما بكل حناياها ،ثم أخذت تتقلب علي فراشها
الذي يتقد بشعلة من الاضطراب ،تفكر بما قالته لها تلك الفتاة المجهولة بأن
اسمها قد أدرج ضمن قائمة التحقيق لدي الجيش الإسرائيلي ،ومازالت علي تلك الحالة
حتي أتم الشهر كاملا، ودق بابها القدر ،وطوقت بلدتها " الشجاعية " بكاملها
وأضيئت الأنوار مرتجفة ،وفتحت الأبواب وأخذت العيون تنظر بخلسة حادثة الليلة
حتي اتجهت الأنظار نحو بيت "إبراهيم يوسف حجازي " الذي خرج علي وقع طرق بابه
العنيف من قبل الجنود ،فدخلوا البيت وعاثوا به خرابا وقلبوه رأسا علي عقب حتي
نطق الحاكم العسكري الذي كساه الحقد والتعجرف قائلا :"إنا بني " فأجابه الأب
بتقزز :أهلا وسهلا ماذا تريدون ، وفرد " بني" بصوته المتهدج :"عُِد أولادك "،
فذكرهم جميعا ،فكرر السؤال مرة أخري :"عِد بناتك " فعدهم إلا ابنته الصغيرة
أنعام ، فصرخ الحاكم العسكري بعصبية :عِد بناتك صح نحن نريد إنعام"، فأجاب الأب
بتلقائية وبعاطفته الجياشة : ابنتي إنعام صغيرة ماذا فعلت لكم "، فدخل الأب
ليوقظ ابنته التي كانت تبلغ من العمر السابعة عشر حتي بادر الجنود بشدها وجذبها
بقوة لتخرج ،فاحتقن أبيها :" أعطوها فرصة تلبس "، فقادوا أنعام التي كانت قد
أخذت احتياطاتها من حذر وتعريف بالمعتقل وما يدور داخله من خالها الأسير المحرر
،فزجوها بسيارتهم الجيب البيضاء التي كانت تقطنها أسيرة أخري ،فتفأجات أنعام
التي ألقت السلام عليها ودار الحديث بينهما بخوف.
أنعام : أنتي اللي حكتي لي انه اسمي نزل بالتحقيق صح .
مبروكة :آه أنا .
إنعام باستغراب: أنت تعرفيني .
مبروكة : أعرفك بالوجه فقط .
فلم تكد تنطق بأخر كلماتها حتي جاء الجندي بعنف واعصب عينيهما وقال لأنعام :
أنت رديتي عليها السلام هل تعرفيها ؟ فأجابت إنعام بعصبية :لا .
ولبثتا هكذا معصوبتا العينين حتي وصلتا إلي سجن غزة المركزي الذي يقع وسط
المدينة ،واخترقت آذانهما صوت الأقفال التي تفتح بقوة ،وبشكل متتالي حتي أيقنت
أنعام بذكائها أنها تبلغ ستة وثلاثون قفلا ً،فوصلتا إلي الزنزانة وكانت في
انتظرهما الشاويشة "مزن" .
الشاويشة مزن للأسيرتين بتعجرف :اخلعوا ملابسكم .
فدار في خلد إنعام وصايا خالها الذي امضي ثلاث سنوات في المعتقل، حينما افهمها
إذا طلب منها أن تتجرد من ملا بسها أن تفعل ذلك فورا لأنه إذا لم تستجيب لهم
جردوها من ملا بسها كاملة عنوة، وتصبح كما ولدتها أمها ،وان طاوعتهم ابقوا
عليها ملا بسها الداخلية ،وأطاعت أنعام الشاويشة" مزن" دون تردد ،فأبقت عليها
ملا بسها الداخلية ،أما مبروكة التي رافقته طوال مسيرة التعذيب أصرت علي عدم
الخضوع لأوامر الشاويشة، فانهال عليها الضرب وبالا وجردت من ملا بسها كاملة
عنوة ،فأخذت تنظر عليها وهي كذلك لمدة ثلث ساعة بنظرات تملأها الاحتقار
والإذلال ، ثم طلبت الشاويشة مريولين أزرقين ،ولبستهما الأسيرتين وأدخلتا إلي
الزنزانة الصغيرة الحجم التي يتوسط بابها فتحة تربيعه صغيرة يمر من خلالها
طبقين الأول للطعام والثاني للماء ،وجردل في زاويتها بدون غطاء لقضاء حاجتهم
فيها ،وبطانتين واحدة تلتحفها الأسيرة فوقها والثانية تحتها ، ومضتا علي هذه
الحالة المضطربة والمقلقة ساعتين كاملتين ،حتي قطع صمتهما فتح الباب ،فايقتنا
أن رحلة التحقيق ستبدأ الآن ،فاقتادوهما ورفعت الستارة عن مشاهد الإذلال
والتعذيب ،واعصبت العيون وأخذت أنعام تمشي لاتري النور تتخبط وتترك ورائها سراب
الأبواب التي تتجاوزها، وتابعت طريقها وجسدها يرتطم بالجدران حتي أدخلت إلي
زنزانة التحقيق التي يبلغ حجمها متر ونصف بداخلها مكتب صغير وكرسيان واحد
للمحقق والأخر للمعتقل .
وبدأت أنعام مسلسل التعذيب بالأسئلة الروتينية والشخصية التي يطرحها المحقق
كأنها سياط لهب :ما اسمك ، كم عمرك ، ما عدد أخواتك ،من هم أصحابك، وهكذا حتي
بدأت أسئلة السم تتربع لسان المحقق :" هل تعرفي فيروز عرفة ،لما بسيسو وفلانة
وفلان "، فأجابت أنعام بإنكارها ، فحاول مرة ثانية بخبثه اللئيم عله يظفر
باعتراف منها :" ألا تعرفين لميا التي كانت تدرس معك في المدرسة " فأجابته بلا
، فصرخ بوجهها :"اسمك مكتوب معها في النوتة التي كانت معها "، فكررت إنكارها
حتي استشاط غضبا ، وأمرها برفع الكرسي في يدها ورفع رجلها ،وبقيت علي هذه
الحالة مدة ساعتين متتاليتين ،حتي خرج المحقق ،فانتهزت أنعام الفرصة للجلوس علي
الكرسي فعاجلتها المجندة بالضرب ،وكررت رفع الكرسي مرة أخري ، حتي رجع المحقق
وسمح لها بالجلوس بعدما قال لها متهكما :" الم تتعبي وأنت حاملة الكرسي "،
فأعاد المحقق سياط الأسئلة مرة أخري لعله يتصيد ولو بطرف كلمة منها قائلا :"
أنت لاتعرفيهم "، فأجابت بإصرار :" أنت سألتني عن أشخاص ينتمون للجبهة الشعبية
وقوات التحرير وأنا لا اعرفهم " ،
فكاد وجه المحقق " شليمون " ينفجر غضبا منها ،حتي أمر بصلبها للمرة الثانية
،وجاء دور المحقق " ابوسالم " الذي لا يفقه إلا لغة الضرب صارخا بوجهها :"
مابدك تعترفي ؟ أنت من الجبهة الشعبية أم من صفوف قوات التحرير"،فجددت إنكارها
.
فخرج بعنف واتي برجل طويل القامة ،عريض المنكبين ذو وجه اسمر مقذع، ادخله
زنزانة التحقيق عندها قال له بصوت قوي متهدج :" اغتصبها "، فاخذ ذلك الرجل
يتجرد من ملا بسه أمامها مقبلا عليها يريد أن يشق ثوبها فعاجلته ضاربة رأسه
بكل قوتها بالهاتف الذي كان علي طاولة المحقق ، فانفجر دمه يسيل علي وجهه
القبيح فتركها ،فأسرع المحقق "ابوسالم "بفتح الباب والاستغراب يتملكه مما فعلت
،وضربها ضربا مبرحا فانكسرت يدها، فأقسم أن يجعلها طيلة النهار أمام المعتقلين
الشباب رافعة يديها ورجليها فبر بقسمه وأوقفها.
وبدأ الليل يكتسي ظلامه والجو ببرودته وحرارة التفكير في جولتها القادمة ألهاها
عن الشعور بالبرد حتي جاء المحقق بشاب من المعتقلين الفلسطينيين وأجلسه علي
الطاولة بعنف ، وامسك بسلك كهربائي ووضعه في أعضاء ذلك الشاب التناسلية ،وصعقه
وصرخاته انتشرت في المكان ،وكرر ذلك أمامها ثلاث مرات حتي فقد الشاب وعيه وادخل
في غيبوبة تامة ودفعوه بعدها إلي زنزانته .
" طيب كيف بده يعمل فيه هيك كما فعل بالشاب ؟ أين سيضع هذه الأسلاك
الكهربائية؟ "
هذا مادار في تفكير أنعام عندما شاهدت ذلك الموقف ،حتى فاجأها المحقق بقوله:"
أنت بتفكري وين بدي أصعقك بالأسلاك الكهربائية ،مستدركا : سأضعها في صدرك "،
فأجابت بشي من التصلب والجلد بان افعل ما يحلو لك فلست خائفة .
وبدأ بحربه النفسية "سأهد بيتكم ،واعتقل اهلك " وهكذا ويكرره بصوته القوي ،فكان
جوابها واحد هو افعل ما تشاء .
إنعام التي تتسم بالذكاء وسرعة البديهة كانت تفكر قبل إجابتها للسؤال فبدا
يذكرها بمن تقابله عندما تذهب إلي المدرسة وبالطرق وبالأشخاص التي تمر بهم
ويدعي أنهم رأوها وهي توزع المناشير وتقود المظاهرات فكانت إجابتها :" كذب ولا
اعرف ".
فصمدت في الأسئلة ولم تعترف ،حتي رجعت إلي زنزانتها الانفرادية مرة أخري ،وجاء
المحقق سالم بذلك الرجل الأسمر لاغتصابها ثانية ،وبدأت تأخذ وتعطي معه ليتركها
،فتركها ، فعرفت فيما بعد انه فلسطيني، وكانت قد عرفت مسبقا من الأسيرات
اللواتي سبقنها أن الاغتصاب هذه المرة مجرد تخويف لإجبارها علي الاعتراف .
وتابع التحقيق لليوم العاشر المحقق " أبو موسي " مستخدما مجموعة من الشباب
لمواجهتها بهم وادعوا أنهم لا يعرفوها ،فأتي بلميا صاحبة النوتة التي ورد بها
اسمها :" فلم تعترف "، وبقيت كاتمة سرها حتي أذعن أبو موسي بقوله :" مافي نوم
ولا أكل ولا خروج إلي الحمام إلا لما تعترفي " فلبثت علي هذه الحالة
ثمانيةواربعون ساعة ، وتحاول جاهدة أن تسترق النوم ولو خمسة دقائق فتفاجئها
المجندة بعصاها .
وحينما لم يفلحوا باخد أية اعتراف منها جعلوها مع باقي الأسيرات في غرفتهن
المكتظة العدد وارتدت زى السجن الجيشي ،وألقت بجسدها المتهالك من التعذيب
خمسة عشر يوما علي مخدعها ،وجال بخاطرها أنها أصبحت علي بر الأمان الآن ،حتي
جاء قرار توقيفها ثلاث شهور ثم اتبعوها بستة أخري .
وتجددت المعاناة مرة ثانية مع المحقق " مصلح " الذي جاء وطلب مقابلتها فأجابته
بأنها انتهت من التحقيق ماذا يريد منها ؟، فأجابها بتذمر :" أنت لم ينتهي
تحقيقك" .
وبدأ بأسلوبه الماكر يبث سمومه ويحاول أن يستعطفها بقوله" ابوكي بيسلم عليك
وبده يكلمك ومشتاقلك "، متابعا " سوف نمنع عنك الزيارة " فأجابته بتحدي: "لا
أريد الزيارة "،فضجر منها فاقبل عليها ومسكها واخذ يفك بأزرارها محاولا
اغتصابها جادا، فشعرت بالتعب والإرهاق من مناكفته فأغمي عليها ،الشاويشة
صارخة:" ماذا فعلت بها " ،فجاء الدكتور الذي اخذ يدغدغ رجليها بالدبابيس حتي
تيقن أنها في غيبوبة فلم تتحرك فحقنها بإبرة مهدأ .
فأصبحت لاتعي شيئا تسمع فقط سرابا ،تحاول أن تضبط حرفا بجانب أخيه لتفسيره فلم
تفلح ،واعترفت الشاويشة فيما بعدان المحقق كان سكرانا وكان يريد اغتصابها فعلا
.
فرجعت إنعام إلي غرفة الأسيرات بجانب قريناتها اللواتي يبلغن الثلاثين أسيرة
وربما يزدن أو ينقصن
وذكرت الأسيرة المحررة أنها حدثت والدها قصتها مع المحقق مصلح ،ومحاولة
اغتصابها ،فعندما خرجت من أسرها اصطحبها إلي الدكتور " رفيق الزعنون " لفحصها
فطمئنه قائلا :" ابنتك سليمة " .
واطمأنت أنعام بجانب أخواتها وبدان يتقاسمن الأتراح والأفراح وعمل السجن
المناوب من غسيل وتنظيف .
وأكملت أنعام دراستها الثانوية في سجنها أمام النور الخافت الذي يأتي من وراء
الباب فتتربع بظله لتري كتابها وحروفه وكلماته .
وكانت مع الأسيرات معتقلات جنائيات اسرائليات ، ونساء عاملات في إسرائيل نتيجة
لذلك انتشرت آفة القمل بين الأسيرات وهذا ما نعكس سلبيا علي إنعام عندما أخذتها
الشاويشة "دينا " لتفتيش شعرها أما الشباب المعتقلين كاهانة لها "
بقيت أنعام في سجنها تصارع الحياة وتصرعها 11شهرا حتي حان يوم الإفراج عنها كان
مفاجأة ،فمبروكة رفيقة أنعام في مسيرة تعذيبها كانت قد أقامت علاقات طيبة مع
الشاويشات المناوبات وقررن أن يصدرن لها قرار عفو ، وعندما جاؤا بقرار العفو
رفضت أن تخرج دون رفيقة دربها أنعام التي اعتقلت معها علي نفس التهمة ،فقررت
الشاويشة أن تعود للمدير ،وتأتي بعفو لإنعام لكنه رفض .
أنعام التي جاءها بنفس الليلة حكم إداري ستة أشهر جديدة بدأت تتذمر ،ولكن كان
الفرج بانتظارها عندما زار الشاويشة "يعل " صاحبها الجندي " شليمون " فعندما
رآها:" أنت شحرور أنعام " يعني (إفراج ) ،ثم يضحك ويقول :" أنا اكذب "، فلم تنم
ليلتها تلك وقررت أن تلتجئ للشاويشة " زيزي " المصرية التي كانت مشبعة بالحقد
لليهود ،وبدأت تترجاها أن تذهب لغرفة الإدارة وتسأل هل هي من ضمن المفرج
عنهم؟ ،فجاءت الشاويشة زيزي بالخبر اليقين وأخبرتها بأنها معهم ،فانفرجت
أساريرها وبدأت تعد للرحيل ،لم يكن أهلها علي علم بخروجها ،فانطلقت القافلة إلي
المحكمة العسكرية للتوقيع ،وتم تأخير إفراجها عن الباقيات إلي آذان المغرب
فاستقبلها أهلها في موكب بهيج ونامت بين أحضانهم تلك الليلة .
ولكن القدر له مفاجآت غريبة ،فتقتحم القوات الصهيونية مرة أخري بيتهم ليلة
العيد في اقل من شهرين علي تحريرها ، وتتهجم علي أخيها العريس فما كان منها
إلا أن أمسكت بالجندي عن ودفعته، وألقت بسلاحه من الطابق الثاني إلي الأرض ،
فتم اعتقالها واعتقال أخيها وحكم عليها بثلاث سنوات ونصف أخري، وأخيها بخمس
سنوات مع وقف التنفيذ وقضت منها شهرين وخرجت بكفالة مالية قدرها ثلاثة آلاف
دولار .
وتابعت حياتها بعدما أفرج عنها المرة الثانية فعاشت حالة نفسية متأزمة فعندما
يتقدم أية شاب لخطبتها يخرج ولا يعود عندما يعلم أنها أسيرة محررة لئن يعاني
معها استفزازات الجيش الإسرائيلي الذي يبعث ببلاغاته الدورية إلي الأسيرة
للمراجعة بشكل مستمر، حتي اضطر أبيها أن لا يخبر من يتقدم لها بأنها أسيرة
محررة ،فتزوجت أنعام من شاب وأنجبت منه ولد وبعد زواجها بعام طلقها لعلمه أنها
أسيرة محررة ،فاخدوا ابنها منها ولم تراه الابعد ستة عشر سنة لان جدته اخدته
معها إلي السعودية .
تزوجت بعده من ابن خالتها وأنجبت منه ثلاثة أبناء وثلاث بنات، ففي حرب الخليج
سقطت ابنتها البكر "سماء" من الطابق الرابع ولقيت حتفها ، واستشهد ابنها الصغير
في مجزرة حي الزيتون 2005 وبعد استشهاد ابنها الصغير بسنة توفي زوجها كمدا
وحزنا علي أخر العنقود والآن تعيش مع أولادها وتبلغ من العمر ستة وخمسون سنة
وتعاني من اثار التعذيب وتفكك في يدها ورجليها .